Saturday, August 9, 2014

[ خبـز ومــاء -1]


[1]


يا صديق الأيام الخوالي والخبز وقناني الماء وأكواب القهوة..
 يا صديق كل الغرباء الساكنين صدري..
 كيف خريف مدينتك، وكوخ الشجرة؟
أنا لا زلت كما أنا..
أخاف المظلات السوداء الكثيرة التي تتحرك كأسراب الخفافيش في الأيام الماطرة.. لا زال يرهبني صوت الرعد.. وأرتجف لرؤية صواعق البرق.. وخيالات سوء المنقلب تركض في أمداء روحي.

يا صديق الرسائل الطويلة.. كم عامًا بلغ حزنك؟
أ لازلت تحمل تسع أعشار حزني، وتتكبد عناء التلطيف عن قلبي؟

أفتقدك.. 
أفتقدك يا صاحب النظرات التائهة والعيون اللامعة بشيء لا يلين للبكاء، أفتقدك كلما عبرت المنعطف المظلم الذي لا يسلكه أحد،  أفتقدك ولا أعلم كيف لقصتنا أن تنتهي بهذه النهاية الدرامية الأنيقة، لكنني أعلم كيف يجعلنا الحنين أكثر وسامة عن ذي قبل، وكيف لأصابع الشوق المدببة أن تفقأ قباب المسافات بيننا كفقاعات صابون.

أحن إلى كسرات الخبز التي كنا نسقيها بالقهوة ونأكلها ونحن في غمرة نزاعاتنا الحامية لاختلافنا في السياسة، وضحكنا المصبوغ بالسخرية والتهكم على الأنظمة التي تقودنا إلى الهاوية، وأحاديثنا الهازئة من كل الأوجاع التي يعلم كلانا أن الآخر يمضغها بتأنٍ ولا يستطيع ابتلاعها فيغسلها سرًا بالبكاء.

يا نسختي الأكثر جمالاً.. أفتقدك.

Sunday, July 27, 2014

[ الصندوق الأبيض ]

.
.

[1]

كُنَّا جَالسين يومها في المقهى نتشارك طاولة ورقعة شطرنج نتبادل ذبح جنودها في همَّةٍ وحماس، بينما المذيع يكتسح بصوته الجهوري الأفق مُعلنا مجيئ الشتاء النووي، نأخذُ استراحة ونتابع الدخان وهو يأكل الأخضر واليابس من البشر، والنار تحصد غنيمتها من الأرض على تلك الشاشة العملاقة، ثم نعاود اللعب.

لقد انسكبت قهوتي على رقعة الشطرنج، وتعجبتُ للونها الأحمر حتى خِلتُ أنها دمي أو دم رفيقي، أخرجت منديلي كي أجفف ما انسكب فقال مراسل التلفاز أنني عميل وخائن، لم أعبأ بقوله وظللت أؤرجح قدمي بهدوء، ثم قلتُ هامسًا لرفيقي: خبئ ما بقي معنا من جنود كي يشاركونا الفيلم الوثائقي، وكان ذلك قبل أن نسمع صوت الإنفجار، لم يكن إنفجارًا حقيقيًا على أية حال، كان صوتًا يشبه القرمشات، يبدو أن الحياة بالخارج تقرمش بعض الرصاص.

بعد قليل، جاء الهواء حاملاً رائحة شواء، وأنين مكتوم، مددتُ يدي لأغلق النافذة التي كنا نجلس إلى جوارها، فامتلأت يدي بشيء يشبه قهوتي المسكوبة، نظرتُ إلى رفيقي وضحكتُ بشدة، ضحكت حتى سعلت وخرج من رئتي دخانٌ برائحةِ البارود، توقفت عن الضحك، وببطء وضعت رأسي على الطاولة إلى جوار الجنود.

 وحدهُ الحَانوتي منْ يُغني في الطريقِ إلى المقابر.!

[2]

أتمرغُ في الفراشِ كقطٍ مُصاب بعيار ناري
أتقمص أرواح القتلى والمرعوبين، أتوهم بأنني قادر على شقِّ البحر وليس عندي عصا موسى، رغم أن ما بيني وبين الفرعون ليس أكثر من مسافة فاصل إعلاني
قالوا لي في المشفى إني شُفيت، وبإمكاني المغادرة، وقلتُ لرفيقي أنني حصلت على نجمةٍ حمراء فوق ظهري من الخلف، هزَّ رأسه بأن: نعم أعرف.
مررنا في طريقنا بمبنى ضخم يطوقه سورٌ طويل استغرقَ نصف ساعة كي يتركنا ويتنحى عن يسارنا، حُرَّاسه بكامل ِأنيابهم ومخالبهم، واقفون كتتار تركوا العالم خلفهم خرابًا يفوح صراخًا وقتلى، يقول رفيقي أنه سجن العاصمة، فهززت رأسي كمُؤمِنٍ بالتطبيع.

كنا نركض بهدوء وريبة، لا ندرك إلى أين تقودنا أقدامنا، لا وقت للتفكير إذ أننا جزء من هذا المشهد السريالي، أبواق سيارات شرطة وصوت صراخ وأزيز هلع وتعليمات غربان.. صرخ أحدهم: امسكوا هذه العاهرة، أطلقت عيني إلى حيث إصبعه المغروس في الغلاف الجوي بقسوة، لم أرَ شيئًا ظاهرًا غيرَ وجهٍ وكفَّيْن، لكزتُ رفيقي: العاهرة تحجبتْ، أم أن الحجاب "فوتوشوب"؟!
تسائل أحدهم: ماذا فعلت ابنة الشياطين تلك؟
أجابه الشرطي بحماس: أنها تضع على صدرها دبوس هل صليّتَ على النبي اليوم؟!
رد السائل: عليه أفضل الصلوات والسلام، تبًا لها.
هل سنرى بلال وحجره على بطنه بعد قليل؟ سألت رفيقي ولم أنتظر منه إجابة، فقد وجهت شطري نحو الشرطي قائلاً: وماذا في ذلك يا باشا؟
رد بحكمة ووقار وطني: مُتاجَرة بالدين، وتمهيدٌ لطريق الفتنة الطائفية.
تورَّم مخي من صفعة منطق، وتذكرتُ أمي التي تتاجر بالدين منذ خمسة وعشرين عامًا وهي تضع قلادة "ما شاء الله" على صدرها، غير أني اشحت ببصري إلى حيث يد مرفوعة تشير إلى العاهرة المزعومة، ويا لهول ما رأيت، إنه تاجر دين آخر، يحمل شعارًا دينيا على رسخه في شكل صليب، قفزت كحارس مرمى مُهدد وأمسكت رسخه بكلتا يدي وأقسمت لأقطعنَّها درءًا للفتنة الطائفية.

لمَ كُلمَا قُتِلت.. أيقظوني لأموت؟ لِمَ؟


[3]

تربكُني أوهامي عن أني إنسان سويّ، في عصر المادة والثورات المطعون فيها بالشكِ المُبين، كم هو عسير على الحالمين بالآدمية الذين هم أنا وأنت، وهذا وذاك وهذه وتلك، أن نمضي بعيدًا عن أنفسنا منغمسين في الوجدان الهلامي الجمْعي للبشرية.

كُنا نتناولَ غذاءنا ونطالع الدخان الصاعد من الجريدة التي تركها رفيقي على طرفِ المنضدة كفاتحٍ للشهيَّة، لم أعبأ بالعناوين الكبيرة، عَقفتُ رأسي جانبًا لأقرأ خبرًا صغيرًا يقول: أنَّ القيامةَ قادمةٌ إلى منازلِنا لا ريّب.!
لم تسقط ملعقتي في صحن المُقاومة، ولم أقطع البيبسي بالسكين، ظللتُ أهز رأسي بهدوء في رهبة حكيمة.

توقفت عن الأكل، وناولت رفيقي سيجارة بعدما علَّقت واحدة على فمي.
قال لي: صارَ واجب علينا أن نخرج في وجه العالم الأعمى، لماذا نصمُت؟
ضحكتُ وكأني ألوث التاريخ بقهقهاتي، لستُ متأكدًا يا صاحبي..كَوْن "الثورة" تركتني في وسط الطريق، وغادرت المُسابقة، جعلتني سخرية الطغاة.. قُلت له.

وطفقتُ أحدثه عن عقدة ذاتي، كأني كائن أرستقراطي حائر في اختيار ثيابه، أرتدي سترة الليبرالية والعلمانية وبنطال قصير كآخر جندي خَلَّفَهُ الإستعمار الأمريكي، وأخرجُ عليه مُتحرر الفِكْر بحجة أن في ذلك حرية وحقوق الإنسان، فيضع نظارات المتشددين ويجبرني على اتِّباع أيدولوجيته التي تتحول إلى شرعٍ وشريعةٍ وميثاقِ مولوتوف، لا أعرف من أين أتت فكرة قوْلبَة الأيدولوجيات وربطها بمنظومة العيش، كُنا في حالةٍ غريبة، حالة تداخُل أفكار، شَبحَان يَنظران للغَدِ ويَلهثان.

جاءَ الشاي ساخنًا وكاذبًا كالقنواتِ الإخبارية، واختلطت أدخنة السجائر بأخبار الحرائق، سألتُ رفيقي أن يشعل لي قذيفة أخرى، فـ"كَرّمِش" العُلبة في يَده، وانهارَ مَبنى على الصِّغار، قُلت لا يَهُم، لا يَهُم، يجب أنْ نخرج سريعًا لنشتري ما يَكفي من التَّبغ قبلَ أن تختفي المدينة.
قالَ: لا وقت للشِّراء.. لدينا ما يكفي من أسلحة المُقاومة، وبمنتهى العزم.. حطَّم واجهة الخزانة وأخرج منها أحدث الهواتف الذكيَّة وحاسب آلي محمول، نَاولني الهاتف بعد أن فتحَ ليْ تطبيق "تويتر" واحتفظَ لنفسه بالحاسب الآلي، وأَمَرني بأنْ "أُغرِّد" وسيتولى هو حماية ظهري من الـ "فيسبوك".

ليسَ كلّ ما يَلْمع طَلقات رصَاصْ.!

Friday, February 15, 2013

أوجاعي الطيبات الآن في المكتبات...

.

بمعرض متوفر في مكتبة الحلم
26 شارع شاملبيون 
القاهرة
تليفون: 01141824562